صديق الحسيني القنوجي البخاري
418
فتح البيان في مقاصد القرآن
الوصول إلى الدق ، ثم اتسع به في كل ما ظهر بالليل كائنا ما كان ، ثم اتسع كل التوسع حتى أطلق على الصور الخالية البادية بالليل . وقال قوم إن الطروق قد يكون نهارا والعرب تقول أتيتك اليوم طرقتين أي مرتين ومنه قوله صلى اللّه عليه وآله وسلم : « أعوذ بك من شر طوارق الليل والنهار ، إلا طارقا يطرق بخير » « 1 » قال ابن عباس أقسم ربك بالطارق وكل شيء طرقك بالليل فهو طارق . ثم بين سبحانه ما هو الطارق تفخيما لشأنه بعد تعظيمه بالإقسام به فقال وَما أَدْراكَ مَا الطَّارِقُ وفيه تنبيه على أن رفعة قدره بحيث لا ينالها إدراك الخلق ، فلا بد من تلقيها من الخلاق العليم . النَّجْمُ الثَّاقِبُ أي المضيء ومنه يقال ثقب النجم ثقوبا إذا أضاء وثقوبه ضؤوه ، قال مجاهد : الثاقب المتوهج وقيل المرتفع العالي ، قال سفيان : كل ما في القرآن وَما أَدْراكَ فقد أخبره ، وكل شيء قال « ما يدريك » لم يخبره به . وقيل هو نجم في السماء السابعة وهو زحل لا يسكنها غيره من النجوم ، وإذا أخذت النجوم أمكنتها من السماء هبط فكان معها ثم يرجع إلى مكانه من السماء السابعة ، فهو طارق حين ينزل وحين يصعد . ولم يقل : والنجم الثاقب ، مع أنه أخضر وأظهر فعدل عنه تفخيما لشأنه فأقسم أولا بما يشترك فيه هو وغيره وهو الطارق ، ثم فسره بالنجم إزالة لذلك الإبهام الحاصل بالاستفهام ، والجملة مستأنفة جواب سؤال مقدر نشأ مما قبله كأنه قيل ما هو فقيل هو النجم الثاقب . إِنْ كُلُّ نَفْسٍ لَمَّا عَلَيْها حافِظٌ هذا جواب القسم ، وما بينهما اعتراض جيء به لتأكيد فخامة القسم المستتبع لتأكيد مضمون الجملة المقسم عليها ، وقد تقدم في سورة هود اختلاف القراء في « لما » فمن قرأ بتخفيفها كانت إن هنا هي المخففة من الثقيلة فيها ضمير الشأن المقدر وهو اسمها ، واللام هي الفارقة و « ما » مزيدة ، وهذا كله تفريع على قول البصريين أي أن الشأن كل نفس لعليها حافظ . ومن قرأ بالتشديد فإن نافية ، ولما بمعنى إلا أي ما كل نفس إلا عليها حافظ ، قيل والحافظ هم الحفظة من الملائكة الذين يحفظون عليها عملها وقولها وفعلها ، ويحصون ما تكسب من خير وشر ، وقيل الحافظ هو اللّه عز وجل . وعدى حافظ بعلى لتضمينه معنى القيام ، فإنه تعالى قائم على خلقه بعلمه واطلاعه على أحوالهم وقيل هو العقل يرشدهم إلى المصالح ويكفهم عن المفاسد ،
--> ( 1 ) أخرجه مالك في الشعر حديث 10 .